|
|||
|
ملخص الخطبة |
|||
|
1- الذكر حياة القلوب وجلاؤها. 2- فضيلة عبادة الذكر. 3- دور الذكر في حرب المؤمن للشيطان. 4- دور الذكر في عون المؤمن على شؤونه الدنيوية. 5- الذكر يكون على كل حال. 6- الذاكرون الغافلون. 7- مجالس الغفلة عن ذكر الله. |
|||
|
الخطبة الأولى |
|||
|
أما
بعد : فأوصيكم
أيها الناس
ونفسي بتقوى
الله عز وجل
، اتقوه في
السر والعلن
، اتقوه
واعبدوه ،
واسجدوا له
وافعلوا
الخير لعلكم
تفلحون . أيها
الناس : إن
قلوب البشر
طُرا ،
كغيرها من
الكائنات
الحية ، التي
لا غنى لها
عن أي مادة
من المواد
التي بها
قوام الحياة
والنماء ،
ويتفق
العقلاء
جميعا ، أن
القلوب قد
تصدأ كما
يصدأ الحديد
، وأنها تظمأ
كما يظمأ
الزرع ، وتجف
كما يجف
الضرع ؛ ولذا
، فهي تحتاج
إلى تجلية
وري ، يزيلان
عنها
الأصداء
والظمأ ،
والمرء في
هذه الحياة ،
محاط
بالأعداء من
كل جانب ؛
نفسه
الأمارة
بالسوء ،
تورده موارد
الهلكة ،
وكذا هواه
وشيطانه ،
فهو بحاجة
ماسة ، إلى
ما يحرزه
ويؤمنه ،
ويسكن
مخاوفه ،
ويطمئن قلبه
. وإن من أكثر
ما يزيل تلك
الأدواء ،
ويحرز من
الأعداء ،
ذكر الله
والإكثار
منه لخالقها
ومعبودها ؛
فهو جلاء
القلوب
وصقالها ،
ودواؤها إذا
غشيها
اعتلالها . قال
ابن القيم
رحمه الله :
سمعت شيخ
الإسلام ابن
تيمية قدس
الله روحه
يقول : الذكر
للقلب مثل
الماء للسمك
، فكيف يكون
السمك إذا
فارق الماء ؟ عباد
الله : العلاقة
بين العبد
وبين ربه
ليست
محصورة في
ساعة مناجاة
في الصباح ،
أو في المساء
فحسب ، ثم
ينطلق المرء
بعدها ، في
أرجاء
الدنيا
غافلا لاهيا
، يفعل ما
يريد دون قيد
ولا محكم ؛
كلا هذا تدين
مغشوش ،
العلاقة
الحقة ، أن
يذكر المرء
ربه حيثما
كان ، وأن
يكون هذا
الذكر مقيدا
مسالكه
بالأوامر
والنواهي ،
ومبشراً
الإنسان
بضعفه
البشري ،
ومعينا له
على اللجوء
إلى خالقه في
كل ما يعتريه
. لقد
حث الدين
الحنيف ، على
أن يتصل
المسلم بربه
، ليحيا
ضميره ،
وتزكوا نفسه
، ويطهر قلبه
، ويستمد منه
العون
والتوفيق ؛
ولأجل هذا ،
جاء في محكم
التنزيل
والسنة
النبوية
المطهرة ، ما
يدعوا إلى
الإكثار من
ذكر الله عز
وجل على كل
حال ؛ فقال
عز وجل : وقال
سبحانه : وقال
وقال
وقال
عباد
الله : ذكر
الله تعالى ،
منزلة من
منازل هذه
الدار ،
يتزود منها
الأتقياء ،
ويتجرون
فيها ،
وإليها
دائما
يترددون ،
الذكر قوت
القلوب الذي
متى فارقها
صارت
الأجساد لها
قبورا ،
وعمارة
الديار التي
إذا تعطلت
عنه صارت
دورا بورا ،
وهو السلاح
الذي يقاتل
به قطاع
الطريق ،
والماء الذي
يطفأ به لهب
الحريق . بالذكر
أيها
المسلمون ،
تُستدفع
الآفات ،
وتستكشف
الكربات ،
وتهون به على
المصاب
الملمات ،
زين الله به
ألسنة
الذاكرين ،
كما زين
بالنور
أبصار
الناظرين . فاللسان الغافل ، كالعين العمياء ، والأذن الصماء ، واليد الشلاء . الذاكر
الله ، لا
تدنيه مشاعر
الرغبة
والرهبة من
غير الله ،
ولا تقلقه
أعداد القلة
والكثرة ،
وتستوي عنده
الخلوة
والجلوة ،
ولا تستخفه
مآرب الحياة
ودروبها . ذكر
الله عز وجل
، باب مفتوح
بين العبد
وبين ربه ،
ما لم يغلقه
العبد
بغفلته . قال
الحسن
البصري رحمه
الله :
تفقدوا
الحلاوة في
ثلاثة أشياء
: في الصلاة ،
وفي الذكر ،
وقراءة
القرآن ، فإن
وجدتم ، وإلا
فاعلموا أن
الباب مغلق . إن
الذنوب
كبائرها
وصغائرها لا
يمكن أن
يرتكبها بنو
آدم ، إلا في
حال الغفلة
والنسيان
لذكر الله عز
وجل ؛ لأن
ذكر الله
تعالى ، سبب
للحياة
الكاملة
التي يتعذر
معها أن يرمي
صاحبها
بنفسه في
أتون الجحيم
، أو غضب
وسخط الرب
العظيم ،
وعلى الضد من
ذلك ، التارك
للذكر ،
والناسي له ،
فهو ميت ، لا
يبالي
الشيطان أن
يلقيه في أي
مزبلة شاء . قال
تعالى : قال
ابن عباس رضي
الله عنهما :
الشيطان
جاثم على قلب
ابن آدم ،
فإذا سها
وغفل وسوس ،
فإذا ذكر
الله خنس . وكان
رجل رديف
النبي وحكى
ابن القيم
رحمه الله عن
بعض السلف ،
أنهم قالوا :
إذا تمكن
الذكر من
القلب ، فإن
دنا منه
الشيطان
صرعه الإنسي
، كما يصرع
الإنسان إذا
دنا منه
الشيطان ،
فيجتمع عليه
الشياطين ،
فيقولون : ما
لهذا ؟ فيقال
: قد مسه
الإنسي . الإكثار
من ذكر الله
، براءة من
النفاق ،
وفكاك من أسر
الهوى ، وجسر
يصل به العبد
إلى مرضاة
ربه ، وما
أعده له من
النعيم
المقيم ، بل
هو سلاح مقدم
، من أسلحة
الحروب
الحسية التي
لا تثلم ،
فقد ثبت عن
النبي أيها
الناس : ذكر
الله تعالى
أشرف ما يخطر
بالبال ،
وأطهر ما يمر
بالفم ،
وتنطق به
الشفتان ،
وأسمى ما
يتألق به
العقل
المسلم
الواعي ،
والناس
بعامة قد
يقلقون في
حياتهم أو
يشعرون
بالعجز أمام
ضوائق أحاطت
بهم من كل
جانب ، وهم
أضعف من أن
يرفعوها إذا
نزلت ، أو
يدفعوها
إذا أوشكت ،
ومع ذلك فإن
ذكر الله عز
وجل ، يحيي
في نفوسهم
استشعار
عظمة الله ،
وأنه على كل
شيء قدير ،
وأن شيئا لن
يفلت من قهره
وقوته ، وأنه
يكشف ما
بالمعنى إذا
ألم به
العناء ،
حينها يشعر
الذاكر
بالسعادة
وبالطمأنينة
يغمران قلبه
وجوارحه أيها
المسلم : لا
تخش غما ،
ولا تشك هما
، ولا يصبك
قلق ، ما دام
قرينك هو ذكر
الله . يقول
جل وعلا في
الحديث
القدسي : ((
أنا عند ظن
عبدي بي ،
وأنا معه إذا
ذكرني ، فإن
ذكرني في
نفسه ذكرته
في نفسي ،
وإن ذكرني في
ملأ ذكرته في
ملأ خير منهم
)) رواه
البخاري
ومسلم . واشتكى
علي وفاطمة
رضي الله
عنهما إلى
رسول الله فقال
علي عباد
الله : لو
كلف كل واحد
منا نفسه ،
في أن يحرك
جفنيه ، ليرى
يمنة ويسرة ،
مشاهد
متكررة ، من
صرعى الغفلة
وقلة الذكر ،
أفلا ينظر
إلى ظلمة
البيوتات
الخاوية من
ذكر الله
تعالى ، أولا
ينظر إلى
المرضى
المنكسرين ،
أوكلهم الله
إلى أنفسهم
لما نسوه ،
فلم يجبروا
عظما كسره
الله،
وازدادوا
مرضا إلى
مرضهم ، أولا
ينظر إلى
المسحورين
والمسحورات
، وقد تسللت
إليهم أيدي
السحرة
والمشعوذين
، والدجاجلة
الأفاكين ،
فانتشلوا
منهم الهناء
والصفاء ،
واقتلعوا
أطناب
الحياة
الهادئة ،
فخر عليهم
سقف السعادة
من فوقهم . أو
لا يتفكر
الواحد منكم
في أولئك
المبتلين
بمس الجان
ومردة
الشياطين
يتوجعون ،
ويتقلبون
تقلب الأسير
على الرمضاء
، تتخبطهم
الشياطين من
المس فلا يقر
لهم قرار ،
ولا يهدأ لهم
بال ، أرأيتم
عباد الله ،
لو كلف كل
واحد منكم
نفسه بهذا ،
أفلا يُسائل
نفسه أين
هؤلاء
البؤساء من
ذكر الله عز
وجل ؟! أين هم
جميعا من تلك
الحصون
المكينة ،
والحروز
الأمينة ،
التي تعتقهم
من عبودية
الغفلة
والأمراض
الفتاكة ؟!!
أما علم
هؤلاء جميعا
، أن لدخول
المنزل ذكرا
وللخروج منه
؟! أما علموا
أن للنوم
ذكرا
وللاستيقاظ
منه ؟! أو ما
علموا أن
للصباح من كل
يوم ذكرا ،
وللمساء منه
؟ ! بل حتى في
مواقعة
الزوج أهله ،
بل وفي دخول
الخلاء
–
أعزكم الله –
والخروج منه
؟ بل وفي كل
شيء ذكر لنا
منه الرسول والواقع
أيها الناس ،
أنه إنما خذل
من خذل من
أمثال هؤلاء
الغافلين ،
لأنهم على
عجزهم
وضعفهم ،
ظنوا أنفسهم
شيئا مستقلا
، لا سباق
لهم في ميدان
ذكر الله ،
بينما نجد
آخرين
عمالقة في
قوتهم ، وهم
من ذلك ،
يرون أنفسهم
صفرا من دون
ذكر الله
تعالى ،
فكانت
النتيجة أن
طرح الله
البركة
واليمن على
من ذكروه ،
فنجوا
وأفلحوا ،
ورفع رضوانه
وتأييده عمن
اعتز بنفسه ،
فتركه مكشوف
السوءة
عريان
العورة . وفي
حضارتنا
المعاصرة ،
كثر
المثقفون ،
وشاعت
المعارف
الذكية ، ومع
ذلك كله ،
فإن اضطراب
الأعصاب
وانتشار
الكآبة داء
عام . ما
الأمر وما
السبب في ذلك
؟ إنه خواء
القلوب من
ذكر الله ،
إنها لا تذكر
الله كي
تتعلق به
وتركن إليه ،
بل كيف تذكر
، من تتجاهله
؟!!! إن
الحضارة
الحديثة ،
والحياة
المادية
الجافة ،
مقطوعة
الصلة بالله
إلا من رحم
الله ،
والإنسان
مهما قوي فهو
ضعيف ، ومهما
علم فعلمه
قاصر وحاجته
إلى ربه أشد
من حاجته إلى
الماء
والهواء ،
وذكر الله في
النوازل
عزاء للمسلم
ورجاء عباد
الله : هناك
من الناس من
يذكرون الله
، ولكنهم لا
يفقهون معنى
الذكر ،
فتصبح
قلوبهم
بعيدة عن
استشعار
جلال الله ،
وقدره حق
قدره ، وذكر
الله عز وجل
، كلام تقشعر
منه جلود
الذين يخشون
ربهم ، ثم
تلين جلودهم
وقلوبهم إلى
ذكر الله ،
غير أن الناس
مما ألفوا
منه ، وما
جهلوا من
معناه ، لا
يرددونه إلا
كما يرددون
كلاما
تقليديا ،
وإلا فهل فكر
أحد في كلمة ((الله
أكبر)) التي
هي رأس
التكبير
وعماده ، وهي
أول ما كلف
به الرسول إنها
كلمة عظيمة ،
تحيي موات
الأرض
الهامدة ،
لصوتها هدير
كهدير البحر
المتلاطم ،
أو هي أشد
وقعا . إنها
كلمة ، ينبغي
أن تدوي في
أذن كل سارق
وناهب ؛
لترتجف يده ،
ويهتز كيانه
. وكذا تدوي ،
في أذن كل من
يهم بإثم أو
معصية ،
ليقشعر
ويرتدع ،
وينبغي أن
تدوي في أذن
كل ظالم معتد
متكبر ،
ليتذكر إن
كان من أهل
الذكرى ، أن
هناك إلها
أقوى منه ،
وأكبر من
حيلته
واستخفافه
ومكره ، أخذه
أقوى من أخذ
البشر
ومكرهم
وخديعتهم ،
فالله أكبر ،
الله أكبر
كبيرا . فاتقوا الله أيها المسلمون ، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، واتق الله أيها المسلم الغافل ، فإن كنت بعد هذا ، قد أحسست أنك ممن قد فقد قلبه بسبب غفلته ، فلا تيأس من وجوده بذكر الله ، فقد
يجمع الله
الشتيتين
بعدما
يظنان كل
الظن ألا
تلاقيا . أعوذ
بالله من
الشيطان
الرجيم بارك
الله لي ولكم
في القرآن
العظيم …
|
|||
|
الخطبة الثانية |
|||
|
الحمد
لله على
إحسانه ،
والشكر له
على توفيقه
وامتنانه ،
وأشهد أن لا
إله إلا الله
وحده لا شريك
له تعظيما
لشانه ،
وأشهد أن
محمدا عبده
ورسوله
الداعي إلى
رضوانه ،
صلوات ربي
وسلامه عليه
وعلى آله
وصحبه
وإخوانه . أما
بعد : فاتقوا
الله معشر
المسلمين ،
واعلموا
وفقكم الله ،
أن لسائل أن
يسأل : ما بال
ذكر الله
سبحانه، مع
خفته على
اللسان وقلة
التعب منه ،
صار أنفع
وأفضل ، من
جملة
العبادات مع
المشقات
المتكررة
فيها ؟ فالجواب
: هو أن الله
سبحانه جعل
لسائر
العبادات
مقدارا ،
وجعل لها
أوقاتا
محدودة ، ولم
يجعل لذكر
الله مقدارا
ولا وقتا ،
وأمر
بالإكثار
منه بغير
مقدار ، لأن
رؤوس الذكر
هي الباقيات
الصالحات ؛
لما ثبت عن
النبي ثم
ليعلم كل
مسلم صادق ،
أن المؤثر
النافع ، هو
الذكر
باللسان على
الدوام ، مع
حضور القلب ؛
لأن اللسان
ترجمان
القلب ،
والقلب
خزانة
مستحفظة
الخواطر
والأسرار ،
ومن شأن
الصدر ، أن
ينشرح بما
فيه من ذكره
، ويلذ
إلقاءه على
اللسان ، ولا
يكتفي
بمخاطبة
نفسه به في
خلواته حتى
يفضي به
بلسانه ،
متأولا قول
الله عز وجل : فأما
الذكر
باللسان ،
والقلب لاه ،
فهو قليل
الجدوى ، قال
رسول الله وكذا
حضور القلب
في لحظة
بالذكر ،
والذهول عنه
لحظات كثيرة
، هو كذلك
قليل
الجدوى؛ لأن
القلب لا
يخلو من
الالتفاف
إلى شهوات
الدنيا ، ومن
المعلوم
بداهة أن
المتلفت لا
يصل سريعا ؛
ولذا فإن
حضور القلب
على الدوام
أو في أكثر
الأوقات هو
المقدم على
غيره من
العبادات ؛
بل به تشرف
سائر
العبادات
وهو ثمرة
العبادات
العملية . ولذا
فإن رسول
الله فهذا
رسول الله هذا
، وصلوا
رحمكم الله
على خير
البرية
وأفضل
البشرية .
|
|||